عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
14
اللباب في علوم الكتاب
بالغيبة « 1 » - إما على الرجوع على الكفار المتقدمين ، وإما على الالتفات من خطاب المؤمنين . فإن قيل : ههنا ثلاثة مواضع ، تقدم الموت على القتل في الأول والأخير ، وقدّم القتل على الموت في المتوسط فما الحكمة في ذلك ؟ فالجواب : أنّ الأول لمناسبة ما قبله ، من قوله : إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى فرجع الموت لمن ضرب في الأرض ، والقتل لمن غزا ، وأما الثاني فلأنه محلّ تحريض على الجهاد ، فقدّم الأهمّ الأشرف ، وأما الأخير فلأن الموت أغلب . فإن قيل : كيف تكون المغفرة موصوفة بأنها خير مما يجمعون ولا خير فيما يجمعونه أصلا . فالجواب : أنّ الذي يجمعونه في الدّنيا قد يكون من الحلال الذي يعدّ خيرا ، وأيضا هذا وارد على حسب قولهم ومعتقدهم أن تلك الأموال خيرات . فقيل : المغفرة خير من هذه الأشياء التي تظنونها خيرات . قوله : وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ هذا الترتيب في غاية الحسن ؛ فإنه قال في الآية الأولى : لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وهذا إشارة إلى من عبده خوفا من عقابه ، ثم قال : وَرَحْمَةٌ وهو إشارة إلى من عبده لطلب ثوابه ، ثم ختمها بقوله : لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ وهو إشارة إلى من عبده لمجرد العبودية والربوبية ، وهذا أعلى المقامات ، يروى أن عيسى - عليه السّلام - مرّ بأقوام نحفت أبدانهم ، واصفرّت وجوههم ، ورأى عليهم آثار العبادة ، فقال : ماذا تطلبون ؟ فقالوا : نخشى عذاب اللّه ، فقال : هو أكرم من أن لا يخلصكم من عذابه . ثم مرّ بأقوام آخرين ، فرأى عليهم تلك الآثار ، فسألهم ، ماذا تطلبون ؟ فقالوا : نطلب الجنّة والرّحمة ، فقال : هو أكرم من أن يمنعكم رحمته . ثم مرّ بقوم ، فرأى آثار العبودية عليهم أكثر ، فسألهم ، فقالوا : نعبده لأنه إلهنا ، ونحن عبيده ، لا لرغبة ولا لرهبة ، فقال : أنتم العبيد المخلصون ، والمتعبدون المحقون . قوله : لَإِلَى اللَّهِ اللام جواب القسم ، فهي داخلة على وَتُحْشَرُونَ و ( وإلى الله ) متعلقّ به ، وإنما قدّم للاختصاص ، أي : إلى اللّه - لا إلى غيره - يكون حشركم ، أو للاهتمام به ، وحسّنه كونه فاصلة ، ولولا الفصل لوجب توكيد الفعل بالنون ؛ لأن المضارع المثبت إذا كان مستقبلا وجب توكيده [ بالنون ] ، مع اللام ، خلافا للكوفيين ؛ حيث يجيزون التعاقب بينهما . كقول الشاعر : [ الكامل ]
--> ( 1 ) انظر : السبعة 218 ، والحجة 3 / 94 ، والعنوان 81 ، وإعراب القراءات 1 / 121 ، وشرح الطيبة 4 / 172 ، وشرح شعلة 325 ، وإتحاف 1 / 493 .